وهبة الزحيلي
127
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
عَلِيمٌ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ودليل على إحاطة علم اللّه بالأشياء ؛ لأن من ملك شيئا وخلقه ، فلا بد من أن يعلمه ، كقوله تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك 67 / 14 ] ، وكذلك من ملك شيئا فله حسابه على أفعاله وما يخفيه صدره ، ومنها كتمان الشهادة ، وصاحب السلطة المطلقة في شيء وهو الحساب ، له الإرادة المطلقة في العفو عمن شاء ممن أخطأ ، وعقاب من شاء ، وذلك كله مقترن بالقدرة المطلقة على كل شيء . وللآية أمثال كثيرة في القرآن الكريم نحو : قُلْ : إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ، وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ آل عمران 3 / 29 ] ونحو : فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى [ طه 20 / 7 ] يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ ، وَما تُخْفِي الصُّدُورُ [ غافر 40 / 19 ] . التفسير والبيان : يخبر اللّه تعالى في هذه الآية أن له ملك السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن ، وأنه المطلع على ما فيهن ، لا تخفى عليه الظواهر والسرائر والضمائر وإن دقت وخفيت ، وأنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم ، كما قال ابن كثير فللّه ما في السماوات وما في الأرض ملكا وخلقا وتصريفا وعلما ، وهو العليم بكل شيء ، فإن تظهروا ما في قلوبكم من السوء والعزم عليه ، أو تكتموه عن الناس وتخفوه ، فاللّه يحاسبكم عليه ويجازكم به ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . وهو يغفر بفضله لمن يشاء من عباده ، ويعاقب من يشاء عقابه ، ومما يكون عونا على المغفرة توفيق اللّه عبده إلى التوبة والعمل الصالح ، كما قال تعالى : رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ، وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ . رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ ، وَمَنْ صَلَحَ مِنْ